الشيخ محمد مهدي الآصفي
154
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
وسبحان الله ! . . . إنّ الإنسان ليشعر بالثقل حين يقدم إلى عرفة ، والخفة حين يغادر عرفة إلى المشعر الحرام ، وكأنه ترك في وادي عرفة عبئاً كان يثقل ظهره من قبل ، تركه في عرفة ، وتخفف عنه ، وها هو الآن ، وهو يفيض إلى المشعر الحرام ، يشعر بهذه الخفّة ، وهو مُجْهَدٌ أشد الجُهْد ، ومُتْعَبٌ أكثر التعب ، لا شك في ذلك ، ومع ذلك يشعر أنه قد تخفّف . عند الإفاضة كثيراً . . . وليس هذا العبئ من نوع الثقل المادي الذي نقيسه بمعاييرنا في الأوزان ، ولكنّه على كلّ حال أمر محسوس لكلّ من يفيض من عرفة إلى المشعر الحرام ، وإنّ بين إحساس الأجسام ومعاناة النفوس والأرواح علاقة حميمة ، كما أنّ بين النفوس والأجسام علاقة ينعكس كلّ منهما على الآخر . وعندما يفيض الناس من عرفة يتركون وراءهم ركامين ، كأنهما التلال الكبيرة : ركام من القمامة ، والفضلات ، والأوساخ ، وركام من الذنوب ، والمعاصي ، والآثام . يشتغل عمّال الموقف بتنظيف الركام الأول ، ويشتغل الملائكة بتنظيف عرفة من الركام الثاني ، حتّى تستقبل عرفة ضيوف الرحمان من الحجيج للعام القابل ، فيمرون من خلال مصفاة عرفة . وهكذا تتجدد هذه العملية في كل عام ، تستقبل عرفة ضيوف الرحمان ، شعثاً غبراً ، قد أضرهم الجهد والتعب ، وأرهقتهم المناسك ، ولكنّهم يخرجون من مصفاة عرفة ، كيوم ولدتهم أمّهاتهم ، مطهّرين منزهين ، ليبدأوا حياتهم من جديد . والحمد لله على عفوه بعد قدرته ، والحمد لله على طول أناته في غضبه ، والحمد لله الذي لا يهتك حجابه ، ولا يغلق بابه ، ولا يردّ سائله ، ولا يخيب آمله . والحمد لله الذي تحبّب إليّ ، وهو غني عنّي ، والحمد لله الذي يحلم عنّي حتّى كأني لا ذنب لي ، فربي أحمد شيء عندي ، وأحق بحمدي . * * *